عبد الملك الجويني

252

الشامل في أصول الدين

الذي كان مستقرا في حيزه لم تتبدل ، وإما أن يقول تبدلت حالته . فإن قال : تبدلت حالة الجوهر ، فقد سلم المسألة . ويلزمه على قود هذا التسليم أن يقول : الكون القائم بالجوهر المستقر بعد الانضمام مثل الكون الذي كان عليه ، وهو تصريح بنفي المماسة . ويلزم أيضا فيه الحكم بإيجاد الكون فيه كما كان قبل الانضمام . وإن زعم الخصم أن حالة الجوهر قد تبدلت ، وقام به عرض يخالف الكون الذي قام به على انفراده . وهذا مذهب الخصم ، فهو ظاهر البطلان . وذلك أنا نقول : لم يتجدد إلا وقوع جوهر في حيز بحيث ليس بين الحيزين تقدير حيز آخر . فيستحيل أن تؤثر نفس الجوهر الثاني في الجوهر الأول ، إذ الجوهر لا يؤثر في بعضها بعض بإجماع المحققين . ولا فرق في ذلك بين جواهر منضمة وبين جواهر متفرقة . فكما يستحيل أن يوجب جوهر حكما لجوهر مع تباينهما ، فكذلك يستحيل أن يوجب حكما في جوهر مع تقدير الانضمام . والتحقيق في ذلك أن المانع من تأثير جوهر في جوهر عدم قيام أحدهما بالثاني ، وهذا متحقق في المنضمين تحققه في المتباينين . وإذا بطل أن يؤثر جوهر في جوهر ، فكذلك يستحيل أن يؤثر كون جوهر في جوهر آخر ، إذ كون كل جوهر يختص به ، والمعنى المختص بمحله لا يؤثر في غير محله . وأولى الناس بهذا الأصل شيخنا مع مصيره إلى : أن حكم العلم يختص بمحله ، ولا يتعدى الجملة التي محل العلم منها . فإذا استبان استناد تبدل حكم الجوهر المستقر في حيزه إلى الجوهر الآخر ، فيستحيل . واستبان أن حالة هذا التبدل على كون الجوهر الثاني محال . فلا يبقى بعد ذلك إلا القطع بأن الجوهر الأول باق على ما كان عليه . والذي يوضح ذلك : أنه لو جاز تقدير تغير الجوهر عما كان عليه لانضمام غيره إليه أو لمباينته له ، لجاز طرد ذلك في جملة الأعراض القائمة بمحالها . وأقل ما يلزمنا عليه أن لا نستبعد من المعتزلة قولهم في اشتراط البنية عند ثبوت الحياة ، وهذا ما لا فصل فيه . ومما نستدل به أيضا أن نقول : إذا انضم ستة من الجواهر إلى الجوهر المستقر في حيزه ، فالذي صار إليه شيخنا ، وجملة متبعيه : أنه تقوم بالجوهر المتوسط ست مماسات ، ثم يقع الاكتفاء بها ، ولا حاجة إلى إثبات كون سابع يخصصه بحيزه . والقاضي ، وإن ذكر ذلك في نقل مذهبه ، فلم يذكره ناقلا ؛ بل قاله معتبرا مفرعا على أصل شيخنا . فإذا وضح ذلك رجعنا إلى مقصدنا وقلنا : لو كان الجوهر في اختصاصه بحيزه مفتقرا إلى كون وهو مختص بحيزه كما كان ، فيجب أن يدوم له الافتقار إلى الكون المخصص . والمماسات عند مثبتيها مخالفة للكون الثابت حالة الانفراد . والحكم الذي يوجبه عرض ، لا